ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

131

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

مرور الأيام شبابا ، وأوسعها توشية وإذهابا ، إذا أوسع غيرها تلاشيا وذهابا ، ومنحها في الدنيا والآخرة عطاء وفاقا لاعطاء حسابا ، ومثل جدودها في عيون الأعداء شيئا عجابا ، وأراهم منها وراءهم في اليقظة إرهابا وإرعابا ، وفي المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا ، لو جمعت العصور في صعيد واحد لكان هذا العصر عليها فاخرا ، وفاز بسبق أوائلها وإن جاء آخرا ، وليس ذلك إلا لحظوته بالدولة الناصرية التي كسته حبرا وقلدته دررا ؛ ودونت له من المحامد سيرا ، وجعلت في كل ناحية من وجهه شمسا وقمرا ، وقيّض اللّه لها من الخادم وليا يوصل يومه في طاعتها بأمسه ؛ ولا يرى إلا ومن نفسه في خدمتها رقيب على نفسه ، وطالما سعى بين يديها بمساع نغصّ بأخبارها محافل القوم ، ويقال له فيها : ما ضرّك ما صنعت بعد اليوم ، وقد سلفت منها آيات تتمايل في أشباهها وأضرابها ، واستؤنف لها الآن واحدة تدعى بأم كتابها ، وهي فتح البيت المقدس الذي تفتحت له أبواب السماء ، وكثرت بأحاديث مجده كواكب الظلماء ، واسترد حقّ الإسلام وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء ، ومن أحسن ما أتى به أنه آنس قبلته الثانية بقبلته الأولى ، وأطال منه كل ما قصّرته يد الكفر وكانت هي الطولى ، وبه صحّ لهذا البيت معنى اسمه ، وانتقل إلى الطهارة ونزاهتها عن الرّجس ووصمه ، ولم يحزه الخادم حنى طوى ما حوله من البلاد المنجدة والغاثرة ، وكان مركزا لدائرتها فغادره وهو طرف من أطراف الدائرة ، ولما شارفه نظر منه إلى ظلّة من الظلل ، ورأى بلدا قد استقرّ على متن الجبل مثل الجبل ، ويطيف به واد تستهزئ عصمته بنوب الدهر ، وقد انعطف على جوانبه انعطاف الحبوة على الظهر ، والمسالك إليه مع ذلك ذات تعاريج ومعارج ، وهي ضيّقة مستوعرة يطلق عليها اسم الطرق ولا يطلق عليها اسم المناهج ؛ فلما رآه قال : هذا أمنية لمن يرى ، وعلم حينئذ أن كلّ الصّيد في جوف الفرا ، الا أن لسان حاله خاطبه وهو أفصح الخطاب ، وقال : امدد يدك فليس دونها من حجاب ، وكان قد برز من السلاح في لباس رائع من المنعة ، وأخرج من السواد الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعة ، وما يمنع رقاب البلاد بكثرة السواد ، ولا يحمى بعوالي الأسوار بل بعوالي الصّعاد ، وفي يوم كذا وكذا خيّم المسلمون في عقد داره ، ونزلوا منه نزول الجار إلى جانب جاره ، ثم ارتادوا موقفا للقتال وإن لم يكن هناك موقف يقرب مناله ولا يتسع محاله ، واتفق الرأي على لسان المنجنيق في خطبة عقيلية أبلغ